أحمد بن علي القلقشندي

70

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

أمورهم إلا سدّها وتلافاها [ ولا حال عائدة بحظَّ عليهم إلا اعتمدها وأتاها ] ( 1 ) ولا سنّة عادلة إلا أخذهم بإقامة رسمها ، وإمضاء حكمها والاقتداء بالسلف الصالح في العمل بها والاتباع لها ؛ وإذا عرض من ذلك ما تعلمه الخاصّة بوفور ألبابها ، وتجهله العامّة بقصور أفهامها ، وكانت أوامره فيه خارجة إليك وإلى أمثالك من أعيان رجاله ، وأماثل عمّاله ، الذين يكتفون بالإشارة ، ويجتزئون بتيسير الإبانة والعبارة ، لم يدع أن يبلغ من تلخيص اللفظ وإيضاح المعنى إلى الحدّ الذي يلحق المتأخّر بالمتقدّم ، ويجمع بين العالم والمتعلَّم ؛ ولا سيّما إذا كان ذلك فيما يتعلَّق بمعاملات الرعيّة ، ومن لا يعرف إلا الظَّواهر الجلية دون البواطن الخفيّه ، ولا يسهل عليه الانتقال عن العادات المتكررة إلى الرّسوم المتغيّرة ، ليكون القول بالمشروح لمن برّز في المعرفة مذكَّرا ، ولمن تأخّر فيها مبصّرا ، ولأنه ليس من الحق أن تمنع هذه الطبقة من برد اليقين في صدورها ، ولا أن يقتصر على اللَّمحة الدالَّة في مخاطبة جمهورها ، حتّى إذا استوت الأقدام بطوائف الناس في فهم ما أمروا به وفقه ما دعوا إليه وصاروا فيه على كلمة سواء لا يعترضهم شكّ الشاكَّين ولا استرابة المستريبين ، اطمأنّت قلوبهم ، وانشرحت صدورهم ، وسقط الخلاف بينهم ، واستمرّ الاتفاق فيهم ، واستيقنوا أنهم مسوسون على استقامة من المنهاج ، ومحروسون من جرائر الزّيغ والاعوجاج ؛ فكان الانقياد منهم وهم دارون عالمون ، لا مقلَّدون مسلَّمون ، وطائعون مختارون ، لا مكرهون ولا مجبرون . وأمير المؤمنين يستمدّ اللَّه تعالى في جميع أغراضه ومراميه ، ومطالبه ومغازيه ، مادّة من صنعه تقف به على سنن الصّلاح ، وتفتح له أبواب النّجاح ، وتنهضه بما أهّله لحمله من الأعباء التي لا يدّعي الاستقلال بها إلا بتوفيقه [ ومعونته ] ( 2 ) ، ولا يتوجه فيها إلا بدلالته وهدايته ؛ وحسب أمير المؤمنين اللَّه ونعم الوكيل .

--> ( 1 ) الزيادة من خطط المقريزي : 1 / 278 ، ومن الطبعة الأميرية عن رسائل الصابي ص : 209 . ( 2 ) الزيادة من المقريزي .